رجلٌ ضخمٌ جِدّاً ، يدّعي أنّهُ أثناءَ نومهِ ، رآني في حُلُمٍ غريبٍ، لا يتذكّر تفاصيلَهُ ، وأنّه ما اعتادَ أبداً على ذلك ، يقصدُ على أن يحلمَ ، لأنّه في الأساسِ لا ينامُ إلّا مُصادفةً، فمهنتهُ كصيّادٍ، تحتّمُ عليهِ أن يبقى مستيقظاً دائماً، أو على الأقلِّ، أن تظلَّ عينٌ من عينيه الاثنتين مفتوحةً، تُراقِبُ .
لكنْ ..
- ماذا تُراقبُ ؟!
سألتُ نفسي هذا السّؤال في تحفيزٍ لها كي اقتربَ أكثرَ من الإجابةِ، لعلّي أكونُ بطلَ القصّةِ، تلكَ المُتداولةُ بين النّاسِ إذ يقولونَ :
إنَّ صيّاداً في أقاصي حكايةٍ شعبيةٍ ، يجوعُ كثيراً، وكلّما انقطعتْ مياهُ النّهر الجاري قربَ البيوتِ، تكونُ رسالة منهُ، إلى أنّ المَصيدةَ الّتي نصبها مؤخّراً، قد أتتْ فريسَتها .
وإنّ مناماً سيأتي على الصّيادِ (إذا نامُ) ، "يعيدُ المياه إلى مجاريها ".
لكنّني ما إن بدأتُ بالاقترابِ من الإجابةِ أكثر ، انتبهتُ إلى الصّيّادِ الّذي على ما يبدو ، قد غافلهُ النّعاسُ ، فنامَ فعلاً، وإلى جوارِه صنّارةُ صيدٍ قديمةٍ، غالباً من النّوعِ المخصّص للأحلام الكبيرة، وَحوريّاتِ الماءِ، مطويّةً بعنايةٍ كمن يتأهبُ لصَيدٍ وَشِيك .
شعرتُ بالخوف من الاقترابِ أكثر، فأنا على مسافةٍ قريبةٍ جدّاً ، وقدْ أدوسُ بالخطأ على الهدوءِ المحيطِ بالنّهرِ، ووقتئذٍ لن تنفعني الشّجاعةُ أبداً، فلطالما سمعتُ عن رجالٍ كانوا يحلمون بدورِ البطولةِ ، اقتربوا أكثر من الآمِنِ ، ولم أسمع عن عودتهم أبداً .
لكنّني ، رغمَ كلّ ذلك، اقتربتُ ..
وإذ فجأةً، أسمعُ صوت امرأةٍ تئنُّ ، كأنَّ الصّوتَ أقربُ إلى كتمانِ الصّراخ، أو على وجهِ الدّقةِ صراخٌ في الماءِ ، فزادَ ارتباكي وخوفي ، وحاولتُ بكلِّ ما تبقى لديَّ من ثقةٍ بالنّجاةِ، أن أحدّد مصدرَ صوتها، إلّا أنّ الصّندوقَ الّذي فجأةً وجدتُ نفسي في داخلهِ كان يمنعُ ذلكَ ..
وظلَّ الصّوتُ يعلو ويخفتُ ، حتّى خُيِّلَ إليَّ أنّ المرأةَ تغرقُ، لولا أنتباهي إلى يدٍ ضخمةٍ امتدّت نحوي ، إلى داخلِ الصّندوقِ الّذي أتخبّط فيه ..
يدُ الرّجلِ الضّخمِ، الّذي بعينٍ مفقوءةٍ، تبدو مفتوحةً تُراقِبُ آخرَ فُرصةٍ قد تُنجيهِ من الجوعِ، التقطتني كطُعمٍ ، وثبّتتني بخُطّافٍ صغيرٍ عند آخر خيط الصّنّارةِ ، ثمّ بكلِّ ما أوتي من قوّةٍ، رماني خارجَ حُلُمِه .
