سبحان يديك

كنت أعلمُ ومدركٌ تماماً ..
لفكرةٍ ..
تحاولينَ أن تشرحيها ..
لولا أنَّكِ في كلِّ عناقٍ بيننا ،  تفقدينَ يديكِ ..

كنّا ..
- قبلَ أنْ تصير ذاكرتي مَسرحاً لمفاتنِكْ- 
على موعدنا الأخيرِ

وكنتِ أمامَ مرآةٍ كبيرة ..تحاولين تثبيتَ قِرطينِ من الكريستال في أذنيكِ..
وَبالُ صوتكِ مشغولٌ بالهمسِ في شفتيَّ (تسألينَ فمي)  : أَفَهِمتْ ؟!!

فيبتسمُ قليلاً ..
ثمَّ يجيبُ : لا، ياليتَ فَمك .

بينما أنا  ..
على الجانبِ الآخرِ من خَيالكِ ..
أدرّبُ أصابعي على شَعرِكِ، وأكرّر ترتيلَك في سرّي : 

- سُبحانَ يديكِ ..لعلَّ يَديَّ .

صُراخٌ خارجَ الصّندوق


رجلٌ ضخمٌ جِدّاً ، يدّعي أنّهُ أثناءَ نومهِ ، رآني في حُلُمٍ غريبٍ، لا يتذكّر تفاصيلَهُ ، وأنّه ما اعتادَ أبداً على ذلك ، يقصدُ على أن يحلمَ ، لأنّه في الأساسِ لا ينامُ إلّا مُصادفةً، فمهنتهُ كصيّادٍ، تحتّمُ عليهِ أن يبقى مستيقظاً دائماً، أو على الأقلِّ، أن تظلَّ عينٌ من عينيه الاثنتين مفتوحةً، تُراقِبُ .

لكنْ ..
- ماذا تُراقبُ ؟!
سألتُ نفسي هذا السّؤال في تحفيزٍ لها كي اقتربَ أكثرَ من الإجابةِ، لعلّي أكونُ بطلَ القصّةِ، تلكَ المُتداولةُ بين النّاسِ إذ يقولونَ :

إنَّ صيّاداً في أقاصي حكايةٍ شعبيةٍ ، يجوعُ كثيراً، وكلّما انقطعتْ مياهُ النّهر الجاري قربَ البيوتِ، تكونُ رسالة منهُ، إلى أنّ المَصيدةَ الّتي نصبها مؤخّراً، قد أتتْ فريسَتها .
وإنّ مناماً سيأتي على الصّيادِ (إذا نامُ) ، "يعيدُ المياه إلى مجاريها ".

لكنّني ما إن بدأتُ بالاقترابِ من الإجابةِ أكثر ، انتبهتُ إلى الصّيّادِ الّذي على ما يبدو ، قد غافلهُ النّعاسُ ، فنامَ فعلاً، وإلى جوارِه صنّارةُ صيدٍ قديمةٍ، غالباً من النّوعِ المخصّص للأحلام الكبيرة، وَحوريّاتِ الماءِ، مطويّةً بعنايةٍ كمن يتأهبُ لصَيدٍ وَشِيك . 

شعرتُ بالخوف من الاقترابِ أكثر، فأنا على مسافةٍ قريبةٍ جدّاً ، وقدْ أدوسُ بالخطأ على الهدوءِ المحيطِ بالنّهرِ، ووقتئذٍ لن تنفعني الشّجاعةُ أبداً، فلطالما سمعتُ عن رجالٍ كانوا يحلمون بدورِ البطولةِ ، اقتربوا أكثر من الآمِنِ ، ولم أسمع عن عودتهم أبداً .

لكنّني ، رغمَ كلّ ذلك، اقتربتُ ..

وإذ فجأةً، أسمعُ صوت امرأةٍ تئنُّ ، كأنَّ الصّوتَ أقربُ إلى كتمانِ الصّراخ، أو على وجهِ الدّقةِ صراخٌ في الماءِ ، فزادَ ارتباكي وخوفي ، وحاولتُ بكلِّ ما تبقى لديَّ من ثقةٍ بالنّجاةِ، أن أحدّد مصدرَ صوتها، إلّا أنّ الصّندوقَ الّذي فجأةً وجدتُ نفسي في داخلهِ كان يمنعُ ذلكَ ..

وظلَّ الصّوتُ يعلو ويخفتُ ، حتّى خُيِّلَ إليَّ أنّ المرأةَ تغرقُ، لولا أنتباهي إلى يدٍ ضخمةٍ امتدّت نحوي ، إلى داخلِ الصّندوقِ الّذي أتخبّط فيه ..

يدُ الرّجلِ الضّخمِ، الّذي بعينٍ مفقوءةٍ، تبدو مفتوحةً تُراقِبُ آخرَ فُرصةٍ قد تُنجيهِ من الجوعِ، التقطتني كطُعمٍ ، وثبّتتني بخُطّافٍ صغيرٍ عند آخر خيط الصّنّارةِ ، ثمّ بكلِّ ما أوتي من قوّةٍ، رماني خارجَ حُلُمِه .


هَرج بدرجْ



"هَرجْ بدَرجْ "
___________

"الدّحاحِل " أو " الدَّحَل " ، يعتبر هذا الاسم هو الرّائج لها عموماً، بينما يختلف اسمُها من منطقةٍ إلى أخرى، حسب المتوارث .

فمثلاً ..
في محافظة درعا تُسمى " المازات" ، وفي محافظات أخرى " القلول " ،بينما من أسماءها أيضاً " البنانير " أو " القوازيز" وهناك " الفساتئ" و " البلّورات " و " الكِلِة " وربّما تكون الأخيرة هي نفسها " القلول " آنفة الذّكر .

لا يهمّ على أيِّ حال، طالما أنّ جميع هذه التّسميات تشيرُ إلى تلكَ اللّعبة الشعبيّة، والّتي كانت بداياتها في الباكستان بجوار نهر السند ، حيث تم العثور على مجموعة متنوعة من كرات ( الكِلِة ) أثناء التنقيب، ثمّ وصلتْ إلينا لتصيرَ وشماً في ذاكرتنا .

والّتي (أقصد اللّعبة) كان لها موسمٌ لعبٍ محدّد، خاصّة في الأريافِ، إذ يكونُ خلال فصلِ الرّبيع "الأرض الطّريّة" وهذا من أهم عوامل انتشارها في الربيع ، وسوف آتي على ذكر السبب ضمن السّياق بعد قليل ..

عموما ..
تتميزّ هذه اللعبة ، بأنّها ذاتُ أساليبَ مختلفةْ في طريقة لعبها ، أقصد القوانين والمصطلحات .

ومن أنواعها " الجورة "و " الطّجّة " ولا أدري إن كانَ ثمّة أنواع أخرى ، لأنني لم أكن أهتمّ إلّا بهذينْ النّوعين ، وخاصّة " الجورة "وهنا قلبُ قلبِ الحديث .

حيثُ جاء الاسم في البدايةٍ نسبةً إلى "الجورة" وهي حفرة صغيرة ، يُحدثها اللَّعيبة الأولاد عن طريق دقّ حجرٍ مكوّر صغير في " الأرض الطّريّة " والّتي أنسب ماتكون في فصل الربيعِ، ثم يزيلونه ، تاركاً مكانَه "الجورة" ..
وبعد ذلك ، نضع في قعرها حفنة رملٍ ناعم ، ( مشان الماز اللّي منمرميه فيها يغوص بالرمل وما ينط برّة الجورة ) ..

كنّا نلعبها (خلال عطلة الرّبيع )، العطلة المدرسية الّتي تأتي بين فصلي الدراسة المدرسيّة، وتكون مدّتها أسبوعان على الأكثر .

أولادٌ بين العاشرة والخامسة عشرة من العمر ، حيث كانتْ تعلو صيحاتنا أثناء اللّعب ، بمصطلحاتٍ تخصّ اللّعبةَ ولكلّ مصطلح دلالةٌ خاصّة، إذ يأتي المصطلحُ كقانونٍ لا يُقبلُ فيهِ الجدالُ ..

كأنْ يقولَ أحدنا أثناء قيامِهِ بقذف "الماز" من بين أصابعه :
" منَ الجَميع شَراشِق "

وهنا بإيجازٍ بسيط ، تأتي الدّلالة إلى أنّه سيقذفهُ عشوائياً مصوّباً جهةَ "المازات" الأخرى المتناثرة حول الجورة ، وأي إصابةٍ لأي ماز تخوّله أن يُكملَ اللّعب .

وهناك أيضا مصطلحٌ .. كنا نقهقه أثناء قولنا إيّاه ، أو نقوم بعكس حروفهِ لنضحكَ تلك الضّحكة المُراهِقة ، وهو "سُكْسُكْ " هذا المصطلح الّذي كورقةٍ رابحة، يخوّلُ صاحبَ الدَّورِ (إن قالَهُ ) بأن يصوّبَ على " ماز " الخصم ثلاث تصويبات متتاليات ، بغية الاقتراب من الجورة، والّتي تعتبر منصّة إن صحّ التعبير ، للقيام بالضّربةِ الأخيرة، تلك الّتي لو أصابتْ تجعلك تربحُ "مازاً " من " مازات " خصمكْ .

ومن المصطلحات أيضاً ..
أن يقولَ لكَ الخصمُ " إيدك محشوكة " وهنا تكونُ في وضعٍ حَرِجْ، إذ كان عليك أن تسبقَ قولَه بعبارة " إيدي مو محشوكة " ..

لأنّ تأخّركَ في القولِ سيجبركَ على لعبِ دوركِ ويدكَ بوضع غير مرتاح لأن " الماز " الّذي لك ، قد انزلقَ بين حجرين مثلاً ، وعليكَ وفق القانون، أن تحشُك يدك بينهما وتلعبَ حتّى ولو أنكَ " مش مرتاح " .

إلى هنا تقريبا، هو قلبُ الحديث ..

أمّا قلبُ قلبِ الحديثِ ، فهو المصطلحُ الأخير ، ذاكَ الّذي تلعبُ فيهِ الفيزياءُ دورا رهيباً ، حيثُ إنّكَ تقولُ أثناء الضّربة الأخيرة " إيدي عالية " .

واليد العالية ، تعني أن تسندَ يدك الّتي ستصوّبُ بها فوق يدك الأخرى، والّتي تكونَ مرتكزة على سبّابتها المرتكزة بدورها على الأرض ..

ففي فيزياء لعبة " المازات "..
تقول النّظريّة :

" إنّه كلّما ارتفعتْ يدُك الّتي ستصوّبُ بها عن الأرضِ، كلّما كانَ احتمالُ إصابة (ماز الخصم) أكبر " ..

لكن لا بدّ للإشارة إلى أنّه ، في حال تأخّرتَ عن قولِ " من برّة الجورة " مباشرة بعد قولكَ " إيدي عالية " ..

ستأتيك بسرعة عبارةٌ من خصمكَ يصرخُ فيها 
" الله واحد ، عالية من نص الجورة ".

وهنا سيجبركَ بعد صُراخهِ ، على إسناد سبابتك وغرزها في الرملِ الّذي في قعر الجورة ، أيْ عادت يدُك منخفضة ،وبالتّالي يكون قد خرّبَ عليكَ نظريّة " اليد العالية "وصار احتمالُ أن تُصيبَ "مازَه" ، أقلّ

علاج فيزيولوجي


حينَ تصابُ بجُرحين معاً ..في مكانين مختلفين منكَ .. فإنّه (فيزيولجيّا) ..
سوفُ يُلغي أحدُ جرحيكَ
الجُرحَ الآخر ..
وذلكَ حسبَ أيّ الجرحينِ يؤلمكَ أكثر .
استيقاظُ جراحكَ كلّها دفعةً واحدةً .. كأنّك تغرق .. كفُّ يدكَ فقطْ  فوقَ السّطحِ تلوّح ..
فوق سطحِ الألمْ .
بخمسةِ أصابعٍ مكسورةٍ
وأنت تغرق ..
تحاولُ إمساكَ الماءْ .
- بصورةٍ أوضح :
لن تكترثَ ليدٍ مكسورةٍ مهما اشتدّ بك الغرق ... إن لم يكن هناكَ على الميناءِ .. من ينتبهُ لموتكَ .
أو على الأقلِّ .. يدٌ واحدةٌ تُلوّح لكْ .. وأنتَ تغرق .